ابن الأثير

169

الكامل في التاريخ

ذكر انقراض دولة سبكتكين لمّا أنفذ غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين يطلب إنفاذ خسروشاه إليه أمره شهاب الدين بالتجهّز والمسير ، فقال : أنا لا أعرف أخاك ، ولا لي حديث إلّا معك ، ولا يمين إلّا في عنقك ، فمنّاه وطيّب قلبه ، وجهّزه وسيّره وسيّر معه ولده ، وأصحبهما جيشا يحفظونهما ، فسارا كارهين ، فلمّا بلغا فرشابور خرج أهلها إليهما يبكون ويدعون لهما ، فزجرهم الموكّلون بهما ، وقالوا : سلطان يزور سلطانا آخر ، لأيّ شيء تبكون ؟ وضربوهم فعادوا ، وخرج ولد خطيبها إلى خسروشاه عن أبيه متوجّعا له ، قال : فلمّا دخلت عليه أعلمته رسالة أبي ، وقلت : إنّه قد اعتزل الخطابة ، ولا حاجة به إلى خدمة غيركم . فقال لي : سلّم عليه . وأعطاني فرجية فوطا ومصلّى من عمل الصوفيّة ، وقال : هذه تذكرة أبيه عند أبي ، فسلّمها إليه وقل له : در مع الدهر كيفما دار ، وأنشد بلسان فصيح : وليس كعهد الدّار يا أمّ مالك * ولكن أحاطت بالرّقاب السّلاسل قال : فانصرفت إلى أبي وعرّفته الحال ، فبكى ، وقال : قد أيقن الرجل بالهلاك ، ثمّ رحلوا . فلمّا بلغوا بلد الغور لم يجتمع مع غياث الدين بل أمر بهما فرفعا إلى بعض القلاع ، فكان آخر العهد بهما . وهو آخر ملوك آل سبكتكين ، وكان ابتداء دولتهم سنة ستّ وستّين وثلاثمائة ، فتكون مدّة ولايتهم مائتي سنة وثلاث عشرة سنة تقريبا . وكان ملوكهم من أحسن الملوك سيرة ، ولا سيّما جدّه محمود ، فإنّ آثاره في الجهاد معروفة ، وأعماله للآخرة مشهورة : لو كان يقعد فوق الشّمس من كرم * قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا